وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، قَدْ تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا حَسَنَةٌ إِلَّا أَوْعَتْهَا، وَلَا فَضِيلَةٌ إِلَّا شَرَحَتْهَا، وَلَا أُكْرُومَةٌ إِلَّا افْتَتَحَتْهَا، وَأَخَذَتِ الْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ أَقْسَامَ الْإِسْلَامِ الثَّلَاثَةِ: فَقَوْلُهُ: خُذِ الْعَفْوَ تَوَلَّى بِالْبَيَانِ جَانِبَ اللِّينِ، وَنَفْيَ الْحَرَجِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَالتَّكْلِيفِ، وَقَوْلُهُ: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ، وَأَنَّهُمَا مَا عُرِفَ حُكْمُهُ، وَاسْتَقَرَّ فِي الشَّرِيعَةِ مَوْضِعُهُ، وَاتَّفَقَتِ الْقُلُوبُ عَلَى عِلْمِهِ، وَقَوْلُهُ: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ تَنَاوَلَ
جَانِبَ الصَّفْحِ بِالصَّبْرِ الَّذِي يَتَأَتَّى لِلْعَبْدِ بِهِ كُلُّ مُرَادٍ فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ شَرَحْنَا ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ لَكَانَ أَسْفَارًا. اهـ. وَمِنْ مَبَاحِثِ الْبَلَاغَةِ فِي الْآيَةِ أَنَّ مَا جَمَعَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ مِنَ الْمَعَانِي الْعَالِيَةِ هُوَ مِنْ إِعْجَازِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ، الَّذِي لَا مَطْمَعَ فِي مِثْلِهِ لِإِنْسٍ وَلَا جَانٍّ وَاللهُ أَعْلَمُ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 9 صـ 440 - 449}