يقال لهم: العلم والأقدار والكلام والنظر، والاستدلال لا يحتاج شيء منه ولا من غيره من الصفات إلى بنية وبلّة على ما بيّناه في غير هذا الكتاب، فبطل ما قالوه، على أنّه إن احتاج إلى ذلك فلا يمنع أن تبنى الذرّة وما في قدرها بنية تحتمل العلم كما بنيت بنية تحتمل الحياة والإدراك والإحساس، ونحن نجد الذرّة والنمل والبعوض حيا مدركا ملهما لأمور ادّخار الأقوات وحفظها وإظهارها ونفي ما يزيل العفن والفساد عنها إلى غير ذلك من عجيب أفعالها، فيجوز أيضا إكمال عقل الذرّة وما هو أصغر منها.
فإن قالوا: فيجوز أن ينطق ويسأل ويجيب، قيل كل ذلك صحيح في المقدور، وإن لم تجريه عادة، فإن قالوا: فيجوز أن تقدر الذرّة على حمل الجبال والأرضين والسماوات كما يجوز ما قلتم، يقال لهم: المحدثات بأسرها ما عظم جرمه وما صغر من ملك وإنسان وشيطان لا يصحّ أن يفعل في المحمول حملا وأكوانا تتحرك وترتفع بها، وإنّما يفعل الحمل في نفسه وهو حركاته واعتماداته التي يفعل الله عندها ارتفاع الأجسام المرفوعة، ولو سكّن الخردلة عند اجتهاد جبريل في دفعها لم ترتفع، ولو رفع الجبال الثقال عند محاولة الطفل والبعوض لرفعها لارتفعت، وإذا كان ذلك كذلك بطل هذا التعجّب ووجب إثبات الخبر باستخراج الذّرة وأخذ الإقرار عليهم، وإكمال عقولهم ونظرهم.
وقد قال قوم: إنّهم إذ ذاك كانوا ملهمين ومضطرّين إلى المعرفة والإقرار، والأولى أن يكونوا مكتسبين لذلك؛ لأنّ الكلام خارج مخرج الاحتجاج عليهم في الآخرة بما كان من إقرارهم وإشهادهم أنفسهم عليهم، وقد قال سبحانه: {شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ} فأخبر أنّهم يخبرون بغفلتهم عن ذلك ونسيانهم له وقال: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى} ، فالآية كلّها تدلّ وتشهد بما يذهب إليه أهل الحقّ ودهماء الأمّة.
فإن قالوا: فقد قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً} [النحل: 78] ، فإذا لم يعلموا وهم أطفال كاملوا البنية والحواسّ كانوا عن العلم والأمور والتوحيد إذا كانوا كالذرّ مستخرجين من صلب آدم أولى.
يقال لهم: لا حجّة فيما تعلّقتم به، لأنّه لا يمتنع أن يمنعهم من العلم إذا كانوا أطفالا ويعطيهم ذلك إذا كانوا كالذرّ، وقد أعطى الله عزّ وجلّ