2 -بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. يقول صاحب الظلال: (وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه، ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه ولا يعملون به، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ولا في سلوكهم وحياتهم .. غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة، تعطي مدلولها كاملا، لكل جيل ولكل حالة. إن الصيغة اللفظية: «يمسكون» .. تصور مدلولا يكاد يحس ويرى .. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة .. الصورة التي يحب الله أن يأخذ بها كتابه وما فيه .. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت .. فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر .. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون «الواقع» هو الحكم في شريعة الله فهو الذي يجب أن يظل محكوما بشريعة الله.
والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة، وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة .. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقرونا إلى الشعائر يعني مدلولا معينا .. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة،
مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.
يشير إلى هذه الحقيقة .. حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملا وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين.
وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي المنهج الرباني .. ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص كالذي يصنعه أهل الكتاب وكالذي يصنعه أهل كل كتاب حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله ..
إنه منهج متكامل. يقيم الحكم على أساس الكتاب ويقيم القلب على أساس العبادة ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب، فتصلح القلوب وتصلح الحياة.