(ورثوا الكتاب) أي: التوراة من أسلافهم يقرأونها ولا يعملون بها، والمراد بإرثه: انتقاله إليهم ووقوعه في أيديهم (يأخذون عرض هذا الأدنى) أخبر الله عنهم بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم وقوة نهمتهم، والعرض بفتح الراء جميع متاع الدنيا كما يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير، والأدنى مأخوذ من الدنو وهو القرب أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشا وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة وكتمهم لما يكتمونه منها.
وقيل إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط أي أنهم يأخذون عرض الشيء الدنيء الساقط التافه الخسيس الحقير، والمعنى متقارب لأن الدنيا بأسرها
حقيرة فانية والراغب فيها أحقر منها.
وعن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقال: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون سيغفر لنا ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، وقال مجاهد: هم النصارى يأخذون عرض هذا الأدنى ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا مثله يأخذوه كما سيأتي.
(ويقولون سيغفر لنا) أي ويعللون أنفسهم بالمغفرة مع تماديهم في الضلالة وعدم رجوعهم إلى الحق، ويتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة والمراد بهذا الكلام التقريع والتوبيخ لهم، عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني"، أخرجه الترمذي، وكان اليهود يقدمون على الذنوب ويقولون سيغفر لنا.