وبعد أن استقر المقطع على التبشير بالرسالة الخاتمة، والأمة الأخيرة، والدعوة الكاملة. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، صاحب هذه الرسالة، وإمام هذه الأمة، وقائد هذه الدعوة، أن يعلن للناس، أحمرهم وأسودهم، وعربهم وعجمهم، أنه رسول الله إليهم جميعا. الله مالك السموات والأرض. الإله الأوحد، الذي بيده الحياة والموت. وإذا كان الأمر كذلك فإن الله يأمرهم باتباعه والإيمان به. كيف وهو النبي الأمي الذي وعدوا به، وبشروا في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم. هذا النبي الذي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه. فاسلكوا طريقه أيها الناس، واقتفوا أثره لعلكم تهتدون إلى الصراط المستقيم.
وإذ كان اليهود هم أصحاب الكتاب الأول، وهم الذين بشر الله في كتابهم برسول هذه الأمة، فهم مدعوون للدخول بهذا الدين. ومن ثم اتجه السياق للكلام عنهم. فبين تعالى أن بني إسرائيل طائفتان: طائفة منهم عندها استعداد للحق وقبوله واتباعه والعمل به، ويفهم من ذلك، أن الطائفة الأخرى وهي الأكبر والأعظم ليست كذلك. ومجيء هذه الآية في نهاية المقطع يشير إلى شيء آخر، وهو أن بني إسرائيل الذين مر معنا شيء عن انحرافاتهم لم ينحرفوا جميعا. ولم يكونوا على سواء.
المعنى الحرفي:
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي فمروا بهم. يَعْكُفُونَ عَلى
أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي صنما نعكف عليه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي أصنام يعكفون عليها. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لما كان هذا عجيبا منهم بعد ما رأوا من الآيات العظمى، وصفهم بالجهل المطلق وأكده
إِنَّ هؤُلاءِ أي: عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مهلك من التبار ما هُمْ فِيهِ أي ما هم فيه هالك ومهدوم وأنا أول من يريد إهلاكه فكيف أقلدهم فيه وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما عملوه من عبادة الأصنام باطل مضمحل
قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً أي أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي على عالمي زمانهم