ثم أخبر تعالى أن موسى قد اختار من قومه سبعين رجلا ليعتذروا عن عبادة العجل ويدعوه فأخذتهم الرجفة، فأخذ موسى يستغيث الله، ألا يهلكهم بذنوب السفهاء، داعيا الله عزّ وجل أن يرحم ويغفر وأن يعطي، سأله دفع المحذور، ثم سأله العطاء في الدنيا والآخرة له ولقومه، معلنا توبته وتوبة قومه، وفي هذا المقام بين الله لموسى سنته وطلاقة مشيئته بتعذيب من يشاء، ورحمة من يشاء، وبين له سعة رحمته، وأنه خص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوصيات العظمى والرحمة التامة، بما اجتمع لهم من التقوى، وإيتاء الزكاة، والإيمان، واتباع رسولهم النبي الأمي الذي سجل صفته في التوراة والإنجيل، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، محلا للطيبات، محرما للخبائث، آتيا بالحنيفية السمحة، وبالدين اليسر، يرفع فيه عن الأمم أثقالها وأغلالها، ثم بين تعالى أن من آمن بهذا الرسول، وعظمه، ووقره، واتبع الوحي الذي أنزله معه فهو المفلح، والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام الذي ظهرت به إساءة بني إسرائيل وانحرافهم بعبادة العجل
فيه من الحكمة ما فيه، وفيه وضع الأساس للمستقبل في امتحان بني إسرائيل باتباع وحي الله، سواء نزل على رسول منهم أو من غيرهم. وفي هذا المقطع بيان لموقف أمة موسى من التوحيد وعبادة الله، وهو ما طالب به كل رسول قومه وكيف أنهم انحرفوا أول مرة بالمطالبة باعتماد الشرك، ثم انحرفوا ثانيا بممارسة الشرك. فالمقطع قرر كيف كان موقف أمة من الهدى المنزل عليها، وكيف عالج رسولها هذا الانحراف أول مرة وثاني مرة. وخلال ذلك أخبرنا الله بما أنزل من هدى على موسى. وبما بشر به بأنه سينزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف أن ما أنزله واجب الاتباع، كما بين لنا بعض سننه في الهداية والإضلال، والعقوبة والمكافأة، كما عرفنا على ذاته بمزيد من المعرفة، وكل ذلك سائر على سنن السورة ومحورها العام، وسنرى في المعنى الحرفي والفوائد والنقول التي سننقلها من أسفار موسى من كتب العهد القديم والملاحظات عليها، والكلمة الأخيرة في السياق، ما يزيدنا تعرفا على هذا المقطع وصلته بالسياق العام.