وَإِذَا رَجَعْنَا لِلتَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ نَرَى فِيهِ عَنْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ وَحَبْرِ الْأُمَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) مَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّينِ مَسْجِدُ نُوحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الَّذِي بَنَاهُ عَلَى الْجُودِيِّ - أَيْ حَيْثُ اسْتَوَتْ سَفِينَتُهُ بَعْدَ الطُّوفَانِ ، وَالزَّيْتُونُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَطُورُ سِينِينَ مَسْجِدُ الطَّوْرِ ، وَالْبَلَدُ الْأَمِينِ مَكَّةُ . (ثَانِيهُمَا) مَا رَوَاهُ عَنْهُ الْأَخِيرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى حَيْثُ أُسْرِي بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ . وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ تَعَدُّدُ رُوَاتِهِ وَمُوَافَقَةُ التَّارِيخِ لَهُ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ مِنْ جُزْءِ"عم"، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَةِ أَشْهَرِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ مَا نَصُّهُ: .
"وَقَالَ قَلِيلٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْإِقْسَامَ هُوَ بِالنَّوْعَيْنِ لِذَاتِهِمَا التِّينِ وَالزَّيْتُونِ . قَالُوا: لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا ، وَلَكِنْ تَبْقَى الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ طُورِ سِينِينَ وَالْبَلَدِ الْأَمِينَ وَحِكْمَةِ جَمْعِهِمَا مَعَهُمَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ ; وَلِهَذَا رَجَّحَ أَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَنَّهُمَا النَّوْعَانِ مِنَ الشَّجَرِ ، وَلَكِنْ لَا لِفَوَائِدِهِمَا كَمَا ذَكَرُوا ، بَلْ لِمَا يُذْكُرُ أَنَّ بِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي"