ثم لمَّا انتهى إلى الرحمة قال: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ} لم يُعَلِّقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلمَّا كان العذابُ من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات.
ويقال في قوله تعالى: {وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ} مجالٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم {شئٍ} .
قوله جلّ ذكره: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} .
أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيء ٍ لعزِّه في ذاته.
قوله ها هنا: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي يجتنبون أَنْ يروا الرحمة باستحقاقهم، فإذا اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللةً بأكسابهم - استوجبوا الرحمة، ويحكم بها لهم.
{وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 575 - 577}