فإنْ تَوَهَّمَ كون الصِّفَةِ محلُّها أن تقع بعد الموصوف وتليه، فَكَأنَّهَا مُقدَّمَةٌ في التَّقدير فَحَصَلَ الفَصْلُ تقديراً فإن هذا لا يُلْتَفَتْ إليه؛ لأنَّ تلك المعمولات من تَتِمَّةِ الموصول فلم تل إلاَّ الموصول وعلى تقدير اعتقاد ذلك له، فالمَانِعُ من ذلك أيضاً صيرورةُ المبتدأ بلا خبر، لأنَّكَ إذا جعلت"يَومئذٍ"ظرَفْاً للوزن و"الحقُّ"صفته فأين خبره؟ فهذا لو سَلِمَ من المانع الذي ذكره كان فيه هذا المانع الآخر.
وقد طوَّلَ مكيٌّ بذكر تقدير"الحقّ"على"يومئذ"وتأخيره عنهُ باعتبار الإعرابات المتقدمة، وهذا لا حَاجَةَ إليه لأنَّا مقيَّدُونَ في القرآن بالإتيان بِنَظْمِهِ.
وذكر أيضاً أنه يجوز نصبه، يعني أنَّهُ لو قُرِئَ به لكان جَائِزاً، وهذا أيضاً لا حاجة إليه.
قوله:"مَوَازِيْنُهُ"فيها قولان:
أحدهما: أنَّها جمع ميزان: الآلة [التي] يوزنُ بها، وإنَّمَا جمع؛ لأن كلَّ إنسانٍ له ميزان يخصُّه على ما جاء في التَّفْسير، أو جُمع باعتبار الأعمال الكثيرة وعبّر عن هذا الحال بالمحل.
والثاني: أنَّها جمع موزون، وهي الأعمال، والجمع حينئذٍ ظاهر.
قيل: إِنَّمَا جمع الميزان ههنا، وفي قوله: {وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة} [الأنبياء: 47] ؛ لأنَّه لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزانٌ، ولأفعال الجوارح ميزانٌ، ولما يتعلق بالقول ميزان.
وقال الزَّجَّاجُ: إنَّمَا جمع الموازين ههنا لوجهين:
الأوَّلُ: أنَّ العرب قد تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ على الواحد فيقولون: خرج فلان إلى مَكَّةَ راكباً البِغَالَ.
والثاني: أن الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان.
قال القرطبيُّ: والموازين جمع ميزان وأصلُهُ:"مِوْزَانٌ"قلبت الواوُ ياءٌ لكسرة ما قبلها. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 9 صـ 21 - 22}