فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: يَا مُحَمَّدُ أَنْذِرِ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ مَحْشُورُونَ، فَهُمْ مِنْ خَوْفِ وُرُودِهِمْ عَلَى اللَّهِ الَّذِي لَا شَفِيعَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلَا نَصِيرَ، فِي الْعَمَلِ لَهُ دَائِبُونَ إِذْ أَعْرَضَ عَنْ إِنْذَارِكَ وَاسْتِمَاعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْمُكَذِّبُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ قَوْمِكَ اسْتِكْبَارًا عَلَى اللَّهِ. وَلَا تَطْرُدْهُمْ وَلَا تُقْصِهِمْ فَتَكُونَ مِمَّنْ وَضَعَ الْإِقْصَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَأَقْصَى وَطَرَدَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرْدُهُ وَإِقْصَاؤُهُ، وَقَرَّبَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقْدِيمُهُ بِقُرْبِهِ وَإِدْنَاؤُهُ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَهَيْتُكَ عَنْ طَرْدِهِمْ هُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَسْأَلُونَ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ لِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ وَأَدَاءِ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَنَوَافِلِ تَطَوُّعِهِمْ وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ وَالدُّنُوَّ مِنْ رِضَاهُ.
{مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}
يَقُولُ: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِ مَا رَزَقْتُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِ مَا رَزَقْتُكَ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ شَيْءٍ، فَتَطْرُدَهُمْ حَذَارَ مُحَاسَبَتِي إِيَّاكَ بِمَا خَوَّلْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الرِّزْقِ.
وَقَوْلُهُ: {فَتَطْرُدَهُمْ} : جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ، وَقَوْلُهُ: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} : وَكَذَلِكَ اخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا
عَنْ قَتَادَةَ: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}
يَقُولُ: «ابْتَلَيْنَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ»
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْفِتْنَةِ، وَأَنَّهَا الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.