وليست هذه الوجوه والعلل أعنى جهات الحسن والمصلحة إلا معاني أخذناها من سنة التكوين والوجود الخارجي الذي هو منفصل من أذهاننا مستقل دوننا فأردنا في اختيار الأعمال الحسنة ذوات المصلحة أن لا نخبط في مسيرنا وتنطبق أعمالنا على سنة التكوين وتقع في صراط الحقيقة ، فهذه الجهات والمصالح معان منتزعة من خارج الأعيان متفرعة عليه ، وأعمالنا متفرعة على هذه الجهات محكومة لها متأثرة عنها ، والكلام في أحكامنا المجعولة لنا نظير الكلام في أعمالنا .
وأما فعله تعالى فهو نفس الكون الخارجي والوجود العينى الذي كنا ننتزع منه وجوه الحسن والمصلحة وكانت تتفرع عليه بما أنها انتزعت منه فكيف يمكن أن يعد فعله تعالى متفرعا عليها محكوما لها متأثرا عنها ، وكذلك أحكامه تعالى المشرعة تستتبع الواقع لا أنها تتبع الواقع فأفهم ذلك .
فقد تبين: أن جهات الحسن والمصلحة وما يناظرها في عين أنها موجودة في أفعاله تعالى وأحكامه ، وفي أفعالنا وأحكامنا بما نحن عقلاء تختلف في أنها بالنسبة إلى أعمالنا وأحكامنا حاكمة مؤثرة ، وإن شئت قلت دواع وعلل غائية ، وبالنسبة إلى أفعاله وأحكامه تعالى لازمة غير منفكة وإن شئت قلت: فوائد مطردة ، فنحن بما أنا عقلاء نفعل ما نفعل ونحكم ما نحكم لانا نريد به تحصيل الخير والسعادة وتملك ما لا نملكه بعد ، وهو تعالى يفعل ما يفعل ويحكم ما يحكم لأنه الله ، ويترتب على فعله ما يترتب على فعلنا من الحسن والمصلحة ، وأفعالنا مسؤول عنها معللة بغاياتها ومصالحها ، وأفعاله غير مسؤول عنها ولا معللة بغاية لا يملكها بل مكشوفة بلوازمها ونعوتها اللازمة ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فافهم ذلك .