والقولان - كما ترى - إفراط وتفريط فلا هذا ولا ذاك بل حقيقة الأمر أن هذه ونظائرها أمور اعتبارية وضعية لها أصل حقيقي وهو أن الإنسان - ونظيره سائر الحيوانات الاجتماعية كل على قدره في مسيره الحيوى الذي لا يريد به إلا إبقاء الحياة ونيل السعادة ناقص محتاج يرفع جهات نقصه وحاجته بأعماله الاجتماعية الصادرة عن الشعور والإرادة فاضطره ذلك إلى أن يصف أعماله والأمور التي تتعلق بها اعماله في طريق الوصول إلى غاية سعادته والتجنب عن شقائه بأوصاف الأمور الخارجية من حسن وقبح ووجوب وحرمة وجواز وملك وحق وغير ذلك ، ويجرى فيها نواميس الأسباب والمسببات فيضع في إثر ذلك قوانين عامة وخاصة ، ويعتقد لذلك نوعا من الثبوت الذي يعتقده للأمور الحقيقية حتى يتم له بذلك أمر حياته الاجتماعية .
فترانا نعتقد أن العدل حسن كما أن الورد حسن جميل ، والظلم قبيح شأئه كما أن الميتة المنتنة كذلك ، وأن المال لنا كما أن أعضاءنا لنا ، والعمل الكذائي واجب كما أن الآثار واجبة لعللها التامة ، وعلى هذا القياس ، ولذلك ترى أن هذه الآراء تختلف بين الأقوام إذا اختلفت مقاصد مجتمعاتهم فترى هؤلاء يحسنون ما يقبحه آخرون وتجد طائفة تلغى من الأحكام ما تعتبره أخرى ، وتلفى أمة تنكر ما تعرفه أمة أو تعجبها مايستشنعه غيرها ، وربما تترك سنة مأخوذة ثم تؤخذ ثم تترك في أمه واحدة على نسق الدوران بحسب مراحل السير الاجتماعي ومساسه بلوازم الحياة ، هذا في المقاصد التي تختلف في المجتمعات ، وأما المقاصد العامة التي لا يختلف فيه اثنان كاصل الاجتماع والعدل والظلم ونحو ذلك فما لها من وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة وغيرها لا تختلف البتة ولا يختلف فيه ، هذا فيما يرجع إلينا .