ويخصص الحق هنا أهل الكتاب الذين نزلت إليهم التوارة والإنجيل وهما أصحاب الديانتين العظيمتين اللتين سبقتا الإسلام: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} أي أنهم يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم بالبشارة به ، وبالإخبار عنه ، وبالنعت لشكله وصورته ، فإذا كان كفار قريش على فترة من الرسل فليسألوا أهل الكتاب . وقد سمع الأوس والخزرج من أهل الكتاب أن هناك نبياً قادماً سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلون به العرب قتل عاد وإرم . إذن فالصيحة الإيمانية على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن مفاجئة للكون ، وإن كتمها الذين كفروا من أهل الكتاب ، هؤلاء الذين جاء فيهم قول الحق سبحانه: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} [البقرة: 89] .
لقد انتابت الآفة التي تنكر هذا البلاغ عن الله بعضاً من أهل الكتاب ، فقد أخذوا ، وهم المبلغون عن الله ، السلطة الزمنية ورأوا فيها الحظ والجاه والنعيم ، فمنهم القضاة وإليهم يلجأ الناس لمعرفة الحكم في الدماء ، وكذلك يأخذون الصدقات .
وألفوا حياة السيادة والنعيم . وها هي ذي دعوة جديدة جاءت لتسلب منهم هذه السيادة ، وبالرغم من أنهم كانوا المبشرين بها من قبل ، إلا أن الدعوة عندما جاءت تزلزت بها سلطتهم الزمنية ، ولذلك بدأوا العداء .