وَإِيضَاحُهُ: أَنَّهُ فِي الْآيَةِ قَرَنَ الْجُوعَ الَّذِي هُوَ خُلُوُّ الْبَاطِنِ بِالْعُرْيِ الَّذِي هُوَ خُلُوُّ الظَّاهِرِ ، وَالظَّمَأُ الَّذِي فِيهِ حَرَارَةُ الْبَاطِنِ بِالضُّحَى الَّذِي فِيهِ حَرَارَةُ الظَّاهِرِ ، وَكَذَلِكَ قَرَنَ امْرُؤُ الْقَيْسِ عُلُوَّهُ عَلَى الْجَوَادِ بِعُلُوِّهِ عَلَى الْكَاعِبِ; لِأَنَّهُمَا لَذَّتَانِ فِي الِاسْتِعْلَاءِ وَبَذْلَ الْمَالِ فِي شِرَاءِ الرَّاحِ ، بِبَذْلِ الْأَنْفُسِ فِي الْكِفَاحِ; لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ سُرُورَ الطَّرَبِ وَفِي الثَّانِي سُرُورَ الظَّفَرِ ، وَكَذَا هُنَا أُوثِرُ الضُّرَّ لِمُنَاسَبَتِهِ مَا قَبْلَهُ مِنَ التَّرْهِيبِ ، فَإِنَّ انْتِقَامَ الْعَظِيمِ عَظِيمٌ ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْإِحْسَانَ أَتَى بِمَا يَعُمُّ أَنْوَاعَهُ ، وَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ ، فَإِنَّ مَسَّ الضُّرِّ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنِّي أَخَافُ) إِلَخْ . وَمَسَّ الْخَيْرِ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) إِلَخْ .
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) فَسَّرَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْقَهْرَ بِالْغَلَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ فَوْقٍ وَبِالْإِذْلَالِ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْقَهْرُ الْغَلَبَةُ وَالتَّذْلِيلُ مَعًا وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ إِثْبَاتِ كَمَالِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا قَبْلَهَا