الثالث: أنّ"مَنْ"مرفوعةُ المحلِّ نَسَقاً على الضَّميرِ المرفوع في"لأنذركم"، وجاز ذلك ؛ لأنَّ الفصل بالمفعول والجارِّ والمجرور أغْنَى عن تأكيده ، والتقديرُ: لأنذركمن به ، ولينذركم الذي بَلَغَهُ القرآن.
قوله:"أإنًّكُمْ"الجمهور على القراءة بهمزتين: أولاهما للاستفهام ، وهو استفهامُ تَفْريعٍ وتوبيخ.
قال الفراء - رحمه الله تعالى -: ولم يَقُل آخر لأن الآلهة جمع ، والجمع يقع عليه التأنيث ، كقوله: {وَللَّهِ الأسمآء الحسنى} [الأعراف: 180] وقوله: {فَمَا بَالُ القرون الأولى} [طه: 51] [ولم يقل الأوّل ، ولا الأولينن وكل ذلك صوابٌ] وقد تقدَّم الكلامُ في قراءاتٍ مثل هذا.
قال أبو حيَّان:"وبِتَسْهيلِ الثانية ، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى والهمزة المُسَهَّلَة ، روى هذه الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو ، ونافع"انتهى.
وهذا الكلام يؤذن بأنها قراءةٌ مُسْتَغْرَبَةٌ ، وليس كذلك ، بل المَرْوِيُّ عن أبي عمرو - رضي الله عنه - المَدُّ بين الهَمْزَتَيْنِ ، ولم يُخْتَلَفْ عن قالون في ذلك.
وقرئ بهمزة واحدة وهي محتملةٌ للاستفهام ، وإنَّما حُذِفَتْ لفهم المعنى ، ودلالة القراءة الشهيرة عليها ، وتحتمل الخبر المَحْضَ.
ثم هذه الجملة الاستفهامية ، يحتمل أن تكون مَنْصُوبَةَ المَحَلّ لكونها في حَيَّزِ القول ، وهو الظَّاهر ، كأنه أُمِرَ أن يقول: أيُّ شيء أكْبَرُ شَهَادًة وأن يقول أإنكم لتشهدون.
ويحتمل أن تكون داخلَةً في حيَّزه فلا مَحَلّ لها حينئذٍ ، و"أخرى"صفةٌ لـ"آلهة"؛ لأن ما لا يَعْقِل يُعَامَلُ جَمْعُهُ مُعاملةَ الوحداةِ المؤنّثة ، كقوله: {مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] ، و {وَللَّهِ الأسمآء الحسنى} [الأعراف: 180] كما تقدَّم.
قوله:"إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ" [يجوز] في"ما"هذه وجهان: