أعضائه فحيي وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولًا
بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه الْقُوَّة الحيوانية فيسري حاملًا لها في
تجاويف الشرايين إلَى أعماق البدن جعل تعلقه بالبدن نفخًا انتهى. وحاصل الْمَعْنَى جرى
آثاره في تجاويف أعضائه فحيي وإن أراد بالروح الروح الحيواني وهي البخار الْمَذْكُور فإنه
يسمى روحًا عند الأطباء فمعنى نفخه فيه جعله حيا بنفخه وإلى كلا المَعْنَيَيْن أشار الْمُصَنّف
الأول في سورة الحجر كما مَرَّ والثاني في سورة (ص) حيث قال هناك(ونفخت فيه من
روحي)أي أحييته بنفخ الروح كما قيل فحِينَئِذٍ يكون قوله نفخت مَجَازًا
بذكر السبب وإرادة السبب، والْمُرَاد بنفخ الروح المصدر مبني للمَفْعُول وكذا الإشراق
وحاصله الروح المنفوخ فيكون من قبيل النعمة، وأما المبني للفاعل فهو إنعام لا نعمة فلا
يراد هنا فلا تسامح في العبارة ولا يحتاج إلَى العناية، وإنما قدمه مع أنه مؤخر عن تخليق
البدن تعلقا أو حلولا، وَأَيْضًا مؤخر عنه خلقًا عَلَى قول لشرافته وامتياز الْإنْسَان به عن سائر
الحيوان إذا أريد به النفس الناطقة ولكون الحياة بسببه إن أريد به الروح الحيواني.
قوله: (وإشراقه) بالجر عطف عَلَى نفخ الروح ومرجع الضَّمير الروح بتأويل الْمَذْكُور
فإن الروح مؤنث سماعي أي وكإشراقه بعد النفخ (بالعقل) أي بالْقُوَّة العاقلة التي يدرك بها
النفس الناطقة الكليات إن أريد بالروح النفس الناطقة وبيانه أن النفس الْإنْسَانيَّة مدركة بالْقُوَّة
فإذا أشرق عليها العقل بمعنى الْقُوَّة المدركة خرج إدراكها من الْقُوَّة إلَى الْفعْل بمنزلة
الشمس إذا أشرقت خرج إدراك العين من الْقُوَّة إلَى الْفعْل ولها مراتب أربع العقل الهيولاني
والعقل بالملكة والعقل بالْفعْل والعقل المُسْتَفَاد وقد يطلق العقل عَلَى جوهر مجرد غير
متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما هُوَ مذهب الحكماء وقد يطلق عَلَى بَعْضٍ العلوم
فقيل علم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات والأول هُوَ الملائم
لقوله الْمُصَنّف وما يتبعه من القوى الخ. وقد اختاره في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وأنتم تتلون
الْكتَاب أَفَلَا تَعْقلُونَ)حيث قال والعقل في الأصل الحبس سمي به الإدراك
الْإنْسَاني لأنه يحبسه عَمَّا يقبح ويعقل عَلَى ما يحسن ثم الْقُوَّة التي بها النفس تدرك هذا
الإدراك.
قوله: (وما يتبعه من القوى) عطف عَلَى العقل أي كإشراقه بما يتبع العقل، والْمُرَاد
بالتبعية كونها آلة لإدراكه، والْمُرَاد بالقوى القوى الظَّاهرَة الحساسة وهي السمع والبصر الخ.
فإنها متفقة عليها، وأما الحواس الباطنة وهي الحس المشترك والخيال فذهب الحكماء
وذهب بعض من الْمُتَكَلّمينَ إلَى ثبوتها وأنكرها الأكثرون وتحقق الحواس الْمَذْكُورة في
سائر الحيوان لا ينافي كونها تابعة للعقل وإدراكه؛ إذ التبعية لا تقتضي الاخْتصَاص.
قوله: (كالفهم) بيان للإشراق وتمثيل له وهو إدراك الكليات والجزئيات تصوريًا كان
أو تصديقيًا بديهيًا) ونظريًا والأول شأن العقل وحده والثاني حاله بواسطة الآلة (والفكر)
طريق العلم النظري وسببه ولكونه وسيلة أخَّره عن الفهم وإن تقدم عليه في الوجود ولو