فالصراط هو الطريق السهل القويم ، وجاء على وزن"فعال"، لأنه مشتمل على سالكة اشتمال الحلق على الشيء المسروط ، وهذا الوزن كثير فِي المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء ، وكذلك الشكال والعنان ، إلى سائر الباب.
وأما ذكره بلفظ (الطريق) فِي سورة الأحقاف خاصة ، فلأنه انتظم بقوله
سبحانه: (سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) .
وإنما أراد أنه سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله ، وأنه ليس ببدع ، كما قال فِي السورة نفسها ، فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ"الطريق"، لأنه"فعيل"بمعنى"مفعول".
أي: إنه مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل ، وليس فِي المواضع الأُخر ما يقتضي هذا المعنى.
فكان لفظ الصراط بها أولى ، لأنه أمدح من جهة الاشتقاق والوزن كما تقدم.
وأما إضافته إلى اللفظ المجمل ، ولم يقل:"صراط النبيين والصالحين".
فلفائدتين: إحداهما: نفي التقليد عن القلب ، واستشعار العمل بأن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه ، ولو ذكرهم بأعيانهم لم يكن فيه هذا المعنى.
والفائدة الأخرى أن الآية عامة فِي طبقات المسلمين مسيئهم وصالحهم.
والمسيء لا يطلب درجة العالي حتى ينال التي هي أقرب إليه ، ولفظ
(الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يشمل الجميع ، وجميع المأمورين بهذا الدعاء يطلب صراط الذين أنعم الله عليهم ، وهم أصناف ، كما أن السائلين لدرجاتهم أصناف.
وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، ولم يقل:"المنعم عليهم"، فلأن
ذكر نعمة المنعم والثناء بها عليه وذكر النعم شكر ، وإبراز ضمير الفاعل العائد على الله سبحانه من قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ذكر لله تعالى باللسان والقلب ، ولو قال:"المنعم عليهم"لخلا هذا اللفظ من هذه الفوائد المقرونة بالدعاء ، وهي الشكر والذكر ، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) ؟