وأما العبادة ، فعد أن ذكرت فِي مقام التوحيد بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعين} ، أوضح معناها بعض الإيضاح بقوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} أي: إنه قد وضع لنا صراطاً سيبينه ويحدده ، ويكون مناطُ السعادة فِي الاستقامة عليه ، والشقاء فِي الانحراف عنه ، وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة ، ويشبه هذا قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَاْن لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] . فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد . والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة فِي المتدبر لها ، وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله ، وهيبته ، والرجاء لفضله ، لا الأعمال المعروفة من فعلٍ وكفّ وحركات اللسان والأعضاء . فقد ذكرت العبادة فِي الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها ، والصيام وأيامه ، وكانت هذه الروح فِي المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية ، وقبل نزول أحكامها التي فصلت فِي القرآن تفصيلاً ما ، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة ، ومخ العبادة الفكر والعبرة ، وأما الأخبار والقصص ففي قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} تصريح بأن هنالك قوماً تقدموا ، وقد شرع الله شرائع لهدايتهم ، وصائح يصيح ألا فانظروا فِي الشؤون العامة التي كانوا عيها واعتبروا بها ، كما قال تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] . حيث بين أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار . وفي قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} تصريح بأن من دون المنعَم عليهم فريقان: فريق ضل عن صراط الله ، وفريق جاحده ، وعاند من يدعو إليه ، فكان محفوفاً بالغضب الإلهي