فأما التوحيد ففي قوله: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى ، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر كل نعمة فِي الكون تستوجب الحمد ، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية ، ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى فصرّح به بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولفظ رب: ليس معناه المالك والسيد فقط ، بل فيه معنى التربية والإنماء ، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان فِي نفسه وفي الآفاق منه عز وجل ، فليس فِي الكون متصرف بالإيجاد والإشقاء ، والإسعاد سواه ، ثم إن التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين ، ولذلك لم يكتف فِي الفاتحة بمجرد الإشارة إليه ، بل استكمله ، وبقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية فِي جميع الأمم ، وهي اتخاذ أولياء من دون الله تعتقد لهم السطلة الغيبية ، يُدعون لذلك من دون الله ، ويستعان بهم على قضاء الحوائج فِي الدنيا ، ويتقرب بهم إلى الله زلفى ، وجميع ما فِي القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال .