قال ابن عرفة: وغضب الله تعالى إما راجع لإرادته من العبد المعصية والكفر أو راجع لخلقه الكفر والمعصية فِي قلبه ، هَذَا عِنْدنَا.
وعند المعتزلة راجع لإرادته الانتقام منه لأنهم يقولون أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده ووافقونا فِي (الدّاعى) أنه مخلوق لله تعالى.
فإن قلت لم قال: {الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
بلفظ الفعل ، و {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ}
بلفظ الاسم وهلاّ قال صِرَاطَ المنعم عليهم كَما قال {غَيْرِ المغضوب}
قلت: (فالجواب أنه) قصد التنبيه على التأدب مع الله تعالى بنسبة الإنعام إليه وعدم (نسبة) الشر إليه بل أتى به بلفظ المفعول الذي لم يتم فاعله فلم ينسب الغضب إليه على معنى الفاعلية وإن كان هو الفاعل المختار لكل شيء لكن جرت العادة فِي مقام التأدب أن ينسب للفاعل الخير دون الشر.
وأجاب القاضي العماد بوجوه:
-الأول: من (ألطاف) الله (أنه) إذا ذكر نعمة أسندها (إليه) فقال: {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}
ولذلك قال إبراهيم عليه السلام: {وإذا مرضت فهو يشفين}
-الثاني: إنما قال: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ}
(ليدخل غضبه) وغضب الملائكة والأنبياء والمؤمنين فهو أعمّ/ فائدة.
-الثالث: إنما لم يقل صراط المنعم عليهم لأن إبراز (ضمير) فاعل النعمة ذِكْر وشكر له باللّسان وبالقلب ، فيكون (دعاء) مقرونا بالشكر والذكر.
-الرابع: فيه فائدة بيانية ، وهو أنه من (التفنن) فِي الكلام لأنه (لو أجري) على أسلوب واحد لم يكن فيه تلك (اللّذاذة) وإذا اختلف أسلوبه ألقى السامع إليه سمعه (وهو تنبيه) وطلب احضار ذهنه من قريب ومن بعيد.
(قلت) : وإشارة إلى قوله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}
فالنعمة تفضل ورحمة ، والانتقام عدل وقصاص.