الوجه الأول: أن اختلاف القراءات لا يوقع في شك ولا ريب ما دام الكل نازلا من عند الله.
الوجه الثاني: أمَّا هذه الروايات التي اعتمدت عليها الشبهة فلا نسلم أنه يفهم منها معنى تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه باللفظ وما يرادفه، أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى حتى يوقع ذلك في ريب من هذا التنزيل؛ بل قصارى ما تدل عليه هذه الروايات أن الله تعالى وسَّع على عباده خصوصا في مبدأ عهدهم بالوحي أن يقرؤوا القرآن بما تلين به ألسنتهم. وكان من جملة هذه التوسعة القراءة بمترادفات من اللفظ الواحد للمعنى الواحد، مع ملاحظة أن الجميع نازل من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -،
وقرأه الرسول على الناس على مكث، وسمعوه منه ثم نسخ الله ما شاء أن ينسخ بعد ذلك، وأبقى ما أبقى لحكمة سامية تستقبلك في مبحث النسخ. يدل على أن الجميع نازل من عند الله تعالى قولُه - صلى الله عليه وسلم - لكل من المتنازعين المختلفين في القراءة من أصحابه:"هكذا أنزلت"وقول كل من المختلفين لصاحبه: أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقول الله تعالى لرسوله جوابا لمن سأله تبديل القرآن: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وليس بعد كلام الله ورسوله كلام. كذلك أجمعت الأمة على أنه لا مدخل لبشر في نظم هذا القرآن لا من ناحية أسلوبه ولا من ناحية ألفاظه؛ بل ولا من ناحية قانون أدائه، فمن يخرج على هذا الإجماع ويتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرًا.
وها نحن أولًا قد رأينا القرآن في تلك الآية يمنع الرسول من محاولة ذلك منعًا باتًا مشفوعًا بالوعيد الشديد ومصحوبًا بالعقاب الأليم. فما يكون لابن مسعود ولا لأكبر من ابن مسعود بعد هذا أن يبدل لفظًا من ألفاظ القرآن بلفظ من تلقاء نفسه.