لما كُتبت المصاحف العثمانية وأُرسلت إلى الأمصار الإسلامية، لم يكتف الخليفة عثمان بإرسالها إلى الأمصار وحدها، لتكون الملجأ والمرجع؛ بل أرسل مع كل مصحف عالمًا من علماء القراءة، يعلم المسلمين القرآن وفق هذا المصحف، وعلى مقتضاه، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وعامر بن قيس إلى البصرة، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يقرئ أهل مصره بما تعلمه من القراءات الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق التواتر التي يحتملها رسم المصحف دون الثابتة بطريق الآحاد والمنسوخة، وإن كان يحتملها رسم المصحف، فالمقصود من إرسال القارئ مع المصحف، تقييد بما يحتمله الرسم من القراءات بالمنقول منها تواترًا، فلو كانت القراءات مأخوذة من رسم المصحف وساغ لكل إنسان أن يقرأ بكل قراءة يحتملها رسم المصحف سواء كانت ثابتة بطريق التواتر أم بطريق الآحاد أم كانت منسوخة أم لم يكن لها سند أصلًا لم يكن ثمَّ حاجة إلى إرسال عالم مع المصحف، فإيفاد عالم مع المصحف دليل واضح على أن القراءة إنما تعتمد على التلقي، والنقل، والرواية، لا على الخط، والرسم، والكتابة.
الوجه الرابع: في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة، ورُسمت برسم واحد في جمع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات، والبعض الآخر لم تتنوع فيها القرءات التم يحتملها رسمها؛ فدل على أن الأصل التلقي، وليس لخلو المصحف
من النقط والشكل.
لو كان خلو المصاحف من الشكل والإعجام سببًا في تنوع القراءات واختلافها؛ أي أن هذا الاختلاف نتيجة حتمية لخلو المصاحف من الشكل والإعجام؛ لكانت كل قراءة يحتملها رسم المصحف صحيحة معتبرة من القرآن، وليس كذلك، فإن ما يحتمله رسم المصاحف من القراءات أربعة أقسام:
القسم الأول: ما ثبت بطريق التواتر، وهو جلُّ القراءات ومعظمها كالقراءات في كلمة (وَنُخْرِجُ) ، في قوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13] ، فإن كلمة {وَنُخْرِجُ} فيها ثلاث قراءات: