قال البيهقي: وَإِنَّمَا أَرَادَ - وَالله أَعْلَمُ - أَنَّ اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلَنَا في الْحُرُوفِ، وَفِي الْقِرَاءَاتِ سنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الذي هُوَ إِمَامٌ، وَلَا مُخَالَفَةُ الْقِرَاءَاتِ التي هي مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ سَائِغًا في اللُّغَةِ أَوْ أَظْهَرَ مِنْهَا.
قال أبو شامة: - في شرحه للشاطبية عند الكلام على قوله تعالى: {وَلُؤْلُؤًا} [الحج: 23] ، ورسم بالألف في الحج خاصة دون فاطر، والقراءة نقل؛ في وافق منها ظاهر الخط كان أقوى وليس اتباع الخط بمجرده واجبًا؛ ما لم يعضده نقل، فإن وافق فبها ونعمت، وذلك نور على نور، قال الشيخ السخاوي - تلميذ الشاطبي - وهذا الموضع أدلَّ دليل على اتباع النقل في القراءة؛ لأنهم لو اتبعوا الخط وكانت القراءة إنما هي مستندة إليه لقرءوا هنا - الحج - بألف، وفي الملائكة - فاطر - بالخفض.
قال أبو عبيد: ولولا الكراهة لخلاف الناس لكان اتباع الخط أحبَّ إليَّ، فيكون هذا - في الحج - بالنصب، والآخر - في فاطر - بالخفض.
قال ابن تيمية: وأما قول السائل: ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله؛ إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل القراءة سنة متبعة، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي، وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم
يكن واحد منهم خارجًا عن المصحف. ومما يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما اتفقوا في قوله تعالى {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} في موضع وتنوعوا في موضعين، وقد بينا أن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن إذا كان الخط واحدًا واللفظ محتملًا كان ذلك أخصر في الرسم. والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف. اهـ.
الوجه الثالث: أن سيدنا عثمان لما أرسل المصاحف أرسل مع كل مصحف معلم يعلم المسلمين القراءة؛ ليكون الأصل التلقي.