ويبين لنا ابن هشام تلميذ ابن مجاهد إمام القراءات كيفية ولادة القراءات ولادة شرعية من الأحرف السبعة قائلًا: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم.
المصحف الإمام نقلة حضارية كبرى في توثيق المعلومات
لأن الفكرة الجوهرية التي تمحور حولها المصحف العثماني كانت الإجماع. وهو بلا شك أقوى وأعلى من التواتر.
المصحف الإمام كان سببًا في ظهور مصطلح القراءات الشاذة في القاموس الإسلامي:
وأغلب ما وصف بالشذوذ من القراءات كان بسبب مخالفة الرسم العثماني أو بسبب عدم توافر النقل (1) ، وليس من أجل مخالفة العربية، إلا في النادر، مما نقله ثقة ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثل هذا إلا سهوًا بشريًا، وقد نبه عليه المحققون والقراء الضابطون.
مع أن القرآن دُوِّن في مصحف عثمان لم يتحول الأساس في تلاوته يومًا إلى الاعتماد على المصحف المكتوب؛ بل ظل الاعتماد منذ وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرواية بالسند الصحيح المتواتر عنه، فالأساس دائمًا الرواية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد تلقاه شفويًا عنه صحابته (3) ، وعنهم تلقاه التابعون، وتوالى ذلك بالسند المتواتر جيلًا بعد جيل.
وقد كان التعويل في ذلك على أن القرآن محفوظ في الصدور قبل أن يحفظه كونه محفوظًا في مصحف، وأن القراءة الصحيحة لن تكون أي نطق محتمل لخط المصحف؛ بل لا بد أن تكون رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.