اختلف العلماء على فريقين: فريق قال باشتراط التواتر، وفريق قال باشتراط صحة السند مع الاستقامة والقبول وعدم النكران، وظاهر القولين التعارض ولكن يمكن الجمع ودفع التعارض بينها على النحو التالي:
قول الجمهور باشتراط التواتر. أي تواتر مجمل القرآن وليس كل حروفه وأفراده؛ إذ إن ذلك غير حاصل، فكم من قراءة متواترة كما قال اشتملت على حروف لم تبلغ درجة
التواتر، ولذلك اعترض أبو شامة على من قال بتواتر كل فرد من أفراد القراءة الصحيحة كما سبق في كلامه.
قوله: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي: كل فرد فرد، وبهذا نفهم ما نص عليه ابن الجزري أكثر من مرة في كتبه باشتراط التواتر، فقال في كتابه منجد المقرئين: كل قراءة وافقت العربية مطلقًا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرًا، وتواتر نقلها؛ هذه القراءة المتواترة المقطوع بها.
وهذا دفع لشبهة التعارض في كلام ابن الجزري.
ثم إن ابن الجزري وأبا شامة اشترطا مع صحة السند الاستفاضة والقبول والشهرة وعدم النكير، إذن فالصحة المجردة عن هذه الضوابط لا تكفي في قبول القراءة.
قال أبو شامة: بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة وموافقة خط المصحف بمعنى أنها لا تنافيه مع عدم المنكرين لها نقلًا وتوجيهًا من حيث اللغة.
فكأن الاستفاضة تجبر النقص الذي في الآحاد الصحيح الذي لم يبلغ حد التواتر، فالاستفاضة درجة بين الآحاد والمتواتر كما قال إمام الحرمين في البرهان.
قال الأستاذ أبو إسحاق: المستفيض واسطة بين التواتر والآحاد.
وبهذا يجتمع القولان ويزول التعارض، والله أعلم.
قال الزرقاني: إنما اكتفى القراء في ضابط القراءة المشهورة بصحة الإسناد مع الركنين الآخرين ولم يشترطوا التواتر: مع أنه لا بد منه في تحقق القرآنية لأسباب ثلاثة: -
أحدها: أن هذا ضابط لا تعريف. والتواتر قد لوحظ في تعريف القرآن على أنه شطر أو شرط على الأقل. ولم يلحظ في الضابط؛ لأنه يغتفر في الضوابط ما لا يغتفر في التعاريف. فالضوابط ليست لبيان الماهية والحقيقة.