{وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}
[الحجر: 21] الثالث: أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه ، والحق تعالى بخلاف ذلك ، كما قال عليه الصلاة والسلام"إن الله تعالى يحب الملحين فِي الدعاء."
"الرابع: أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط ، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال ، ألا ترى أنه رباك حال ما كنت جنيناً فِي رحم الأم ، وحال ما كنت جاهلاً غير عاقل ، لا تحسن أن تسأل منه ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية."
الخامس: أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت ، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه ألبتة.
السادس: أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل كما قال: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء}
[الأعراف: 156] فثبت أنه تعالى رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين ، فلهذا قال تعالى فِي حق نفسه الحمد لله رب العالمين.
الفائدة الثالثة: أن الذي يحمد ويمدح ويعظم فِي الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة ؛ إما لكونه كاملاً فِي ذاته وفي صفاته منزهاً عن جميع النقائص والآفات وإن لم يكن منه إحسان إليك ، وإما لكونه محسناً إليك ومنعماً عليك ، وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك فِي المستقبل من الزمان ، وإما لأجل أنك تكون خائفاً من قهره وقدرته وكمال سطوته ، فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين ، وهو المراد من قوله الحمد لله ، وإن كنتم ممن تعظمون الإحسان فأنا رب العالمين ، وإن كنتم تعظمون للطمع فِي المستقبل فانا الرحمن الرحيم ، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين.