والأرواح العلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية ، وإما غير متعلقة بالأجسام وهي الأرواح المطهرة المقدسة ، فهذا هو الإشارة إلى تقسيم موجودات العالم ، ولو أن الإنسان كتب ألف ألف مجلد فِي شرح هذه الأقسام لما وصل إلى أقل مرتبة من مراتب هذه الأقسام ، إلا أنه لما ثبت أن واجب الوجود لذاته واحد ، ثبت أن كل ما سواه ممكن لذاته ، فيكون محتاجاً فِي وجوده إلى إيجاد الواجب لذاته ، وأيضاً ثبت أن الممكن حال بقائه لا يستغنى عن المبقي ، والله تعالى إله العالمين من حيث إنه هو الذي أخرجها من العدم إلى الوجود ، وهو رب العالمين من حيث إنه هو الذي يبقيها حال دوامها واستقرارها.
وإذا عرفت ذلك ظهر عندك شيء قليل من تفسير قوله الحمد لله رب العالمين ، وكل من كان أكثر إحاطة بأحوال هذه الأقسام الثلاثة كان أكثر وقوفاً على تفسير قوله رب العالمين.
الفائدة الثانية: المربي على قسمين: أحدهما: أن يربي شيئاً ليربح عليه المربي ، والثاني: أن يربيه ليربح المربي ، وتربية كل الخلق على القسم الأول ، لأنهم إنما يربون غيرهم ليربحوا عليه إما ثواباً أو ثناءً ، والقسم الثاني: هو الحق سبحانه ، كما قال: خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم فهو تعالى يربي ويحسن ، وهو بخلاف سائر المربين وبخلاف سائر المحسنين.
واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره ، وبيانه من وجوه: الأول: ما ذكرناه أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه بل لغرضهم وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم ، الثاني: أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان فِي خزائنه وفي ماله وهو تعالى متعالٍ عن النقصان والضرر ، كما قال تعالى: