وقال الدواني: كون الحمد فِي حقه سبحانه مجازاً بعيد عن قاعدة أهل الحق من إثبات الكلام له حقيقة والقول مساوق للكلام فالأظهر أن الحصر فِي اللسان إضافي لمقابلة الجنان والأركان والمراد الأمر الذي مصدره اللسان غالباً أو هو قيد غالبي يسوغ الاستعمال فيه واللفظ قد يكون موضوعاً فِي أصل اللغة لعام ويشتهر فِي بعض مخصوص بحيث يصير فيه حقيقة عرفية وسبب الاشتهار إما كثرة تداول ذلك الفرد كما فِي الدابة وإما عدم الاطلاع على فرد آخر فيستعمله أهل اللسان فِي ذلك الفرد حتى إذا استمر ولم يطلع على إطلاقه على فرد آخر ظن أنه موضوع لخصوصه كما فِي الميزان فإنه فِي الأصل موضوع لآلة الوزن ، ثم من لم يطلع إلا على ما له لسان وعمود ربما يجزم بأنه موضوع له فقط ولا يدري أن وراء ذلك موازين ومثل هذا يجري فِي كثير من الألفاظ والأمر فِي المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق وفي غيرها ربما يشتبه على الجماهير وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسنة فإن أكثرهما وارد على أصل اللغة وعلى ذلك فقس الحمد فإن حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال ، ولما كان الإظهار القولي أظهر أفراده وأشهرها عند العامة شاع استعمال لفظ الحمد فيه حتى صار كأنه مجاز فِي غيره مع أنه بحسب الأصل أعم بل الإظهار الفعلي أقوى وأتم فهو بهذا الاسم أليق وأولى كما هو شأن القول بالتشكيك وفرقوا بين الحمد والمدح بأمور.
أحدها: أن الحمد يختص بالثناء على الفعل الاختياري لذوي العلم ، والمدح يكون فِي الاختياري وغيره ولذوي العلم وغيرهم كما يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها.
وثانيها وثالثها: أن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما.
رابعها: أن فِي المدح من التعظيم والفخامة ما ليس فِي المحد وهو أخص بالعقلاء والعظماء وأكثر إطلاقاً على الله تعالى.