والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أنَّهُ استئنافٌ صدرَ عن الحامد بمحضِ ملاحظةِ اتصافِهِ تعالى بما ذُكِرَ من النعوت الجليلةِ الموجبة للإقبال الكليّ عليه، من غير أن يتوسط هناك شيء آخرُ كما ستحيط به خُبرا، وإيثارُ الرفعِ على النصب الذي هو الأصلُ للإيذان بأن ثبوتَ الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مُثبت، وأن ذلك أمرٌ دائمٌ مستمرٌ لا حادثٌ متجددٌ كما تفيده قراءةُ النصب، وهو السر فِي كون تحية الخليل للملائكة عليهم التحيةُ والسلام أحسنَ من تحيتهم له فِي قوله تعالى: {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ}
وتعريفُه للجنس، ومعناه الإشارةُ إلى الحقيقة من حيث هي حاضرةٌ فِي ذهن السامع، والمراد تخصيصُ حقيقةِ الحمدِ به تعالى المستدعي لتخصيص جميعِ أفرادِها به سبحانه على الطريق البرهاني، لكن لا بناءً على أن أفعال العبادِ مخلوقةٌ له تعالى، فتكونَ الأفرادُ الواقعة بمقابلة ما صدر عنهم من الأفعال الجميلة راجعةً إليه تعالى، بل بناءً على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها فِي المقام الخطابيّ منزلةَ العدم كيفاً وكماً.
وقد قيل: للاستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحققُها فِي ضمن جميع أفرادها، حسبما يقتضيه المقام، وقرئ: الحمدُ لُلَّهِ بكسر الدال إتباعاً لها باللام، وبضم اللام إتباعاً لها بالدال، بناء على تنزيل الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين منزلة كلمةٍ واحدة، مثل المِغِيرة ومُنْحَدُرُ الجبل. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 1 صـ 11 - 13}