أن هذه الكلمة كما دلت على وجود الإله فهي أيضاً مشتملة على الدلالة على كونه متعالياً فِي ذاته عن المكان والحيز والجهة ، لأنا بينا أن لفظ العالمين يتناول كل موجود سوى الله ومن جملة ما سوى الله المكان والزمان ، فالمكان عبارة عن الفضاء والحيز والفراغ الممتد ، والزمان عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية ، فقوله: {رَبّ العالمين}
يدل على كونه رباً للمكان والزمان وخالقًا لهما وموجداً لهما ، ثم من المعلوم أن الخالق لا بدّ وأن يكون سابقاً وجوده على وجود المخلوق ، ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ والحيز ، متعالية عن الجهة والحيز ، فلو حصلت ذاته بعد حصول الفضاء فِي جزء من أجزاء الفضاء لانقلبت حقيقة ذاته ، وذلك محال ، فقوله: {رَبّ العالمين}
يدل على تنزيه ذاته عن المكان والجهة بهذا الاعتبار.
المسألة الثالثة:
هذه اللفظة تدل على أن ذاته منزهة عن الحلول فِي المحل كما تقول النصارى والحلولية ؛ لأنه لما كان رباً للعالمين كان خالقاً لكل ما سواه ، والخالق سابق على المخلوق ، فكانت ذاته موجودة قبل كل محل ، فكانت ذاته غنية عن كل محل ، فبعد وجود المحل امتنع احتياجه إلى المحل.
المسألة الرابعة: