هذه الآية تدل على أن إله العالم ليس موجباً بالذات ، بل هو فاعل مختار والدليل على أن الموجب بالذات لا يستحق على شيء من أفعاله الحمد والثناء والتعظيم ، ألا ترى أن الإنسان إذا انتفع بسخونة النار أو ببرودة الجمد فإنه لا يحمد النار ولا الجمد لما أن تأثير النار فِي التسخين وتأثير الجمد فِي التبريد ليس بالقدرة والاختيار بل بالطبع ، فلما حكم بكونه مستحقاً للحمد والثناء ثبت أنه فاعل بالاختيار ، وإنما عرفنا كونه فاعلاً مختاراً ؛ لأنه لو كان موجباً لدامت الآثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ، ولامتنع وقوع التغير فيها ، وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر بالاختيار لا موجب بالذات ، ولما كان الأمر كذلك لا جرم ثبت كونه مستحقاً للحمد.
المسألة الخامسة:
لما خلق الله العالم مطابقاً لمصالح العباد موافقاً لمنافعهم كان الإحكام والإتقان ظاهرين فِي العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالماً فثبت بما ذكرنا أن قوله: {الحمد للَّهِ}
يدل على وجود الإله ويدل على كونه منزهاً عن الحيز والمكان ، ويدل على كونه منزهاً عن الحلول فِي المحل ، ويدل على كونه فِي نهاية القدرة ويدل على كونه فِي نهاية العلم ويدل على كونه فِي نهاية الحكمة.