فَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْفَاتِحَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ إِجْمَالًا عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي يُفَصِّلُهَا الْقُرْآنُ تَفْصِيلًا ، فَكَانَ إِنْزَالُهَا أَوَّلًا مُوَافِقًا لِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي الْإِبْدَاعِ . وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْفَاتِحَةُ جَدِيرَةً بِأَنْ تُسَمَّى (أُمُّ الْكِتَابِ) كَمَا نَقُولُ إِنَّ النَّوَاةَ أُمُّ النَّخْلَةِ ، فَإِنَّ النَّوَاةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى شَجَرَةِ النَّخْلَةِ كُلِّهَا حَقِيقَةً ، لَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ تَكُونُ أَوَّلًا وَيَأْتِي بَعْدَهَا الْأَوْلَادُ .
وَأَقُولُ الْآنَ: هَذَا مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَبْسُوطًا مُوَضَّحًا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نُزُولَ أَوَّلِ سُورَةِ الْعَلَقِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ لَا يُنَافِي هَذِهِ الْحِكَمَ الَّتِي بَيَّنَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَمْهِيدٌ لِلْوَحْيِ الْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ ، خَاصٌّ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِعْلَامٌ لَهُ بِأَنَّهُ يَكُونُ - وَهُوَ أُمِّيٌّ - قَارِئًا بِعِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى وَمُخْرِجًا لِلْأُمِّيِّينَ مِنْ أُمِّيَّتِهِمْ إِلَى الْعِلْمِ بِالْقَلَمِ ، أَيِ الْكِتَابَةِ ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) (2: 129) فَسَّرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الْكِتَابَ ، بِالْكِتَابَةِ ، ثُمَّ كَانَتِ الْفَاتِحَةُ أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً ، وَأُمِرَ النَّبِيُّ بِجَعْلِهَا أَوَّلَ الْقُرْآنِ ، وَانْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ .