كَتَبَ ابْنُ خَلْدُونَ مُقَدِّمَتَهُ فِي فَلْسَفَةِ التَّارِيخِ وَعِلْمِ الِاجْتِمَاعِ وَالْعُمْرَانِ فَكَانَتْ أَفْضَلَ الْكُتُبِ وَأَحْكَمَهَا فِي عَصْرِ مُؤَلِّفِهَا وَبَعْدَ عَصْرِهِ بِعِدَّةِ عُصُورٍ ، ثُمَّ ارْتَقَتِ الْعُلُومُ وَتَغَيَّرَتْ أُصُولُ الْعُمْرَانِ فَظَهَرَ الِاخْتِلَافُ وَالْخَطَأُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا فِيهَا ، بَلْ نَرَى الْعَالِمَ النَّابِغَ فِي عِلْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ عُلَمَاءِ هَذَا الْعَصْرِ يُؤَلِّفُ الْكِتَابَ فِيهِ وَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِمَعَارِفِ أَقْرَانِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْبَاحِثِينَ ، ثُمَّ يُطِيلُ التَّأَمُّلَ فِيهِ وَيُنَقِّحُهُ وَيَطْبَعُهُ فَلَا تَمُرُّ سَنَوَاتٌ قَلِيلَةٌ إِلَّا وَيَظْهَرُ لَهُ الْخَطَأُ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ ، فَلَا يُعِيدُ طَبْعَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْهُ وَيُصَحِّحَ مَا شَاءَ ، فَمَا بَالُكَ بِمَا يَظْهَرُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَاوُتِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي يُؤَلِّفُهَا غَيْرُهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لَا بَعْدَ مُرُورِ السِّنِينَ ، وَاتِّسَاعِ دَائِرَةِ الْعُلُومِ ، وَقَدْ ظَهَرَ هَذَا الْقُرْآنُ فِي أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ لَا مَدَارِسَ فِيهَا وَلَا كُتُبَ عَلَى لِسَانِ أُمِّيٍّ لَمْ يَتَعَلَّمْ قِرَاءَةً وَلَا كِتَابَةً ، فَكَيْفَ يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْعُمْرَانُ الْبَشَرِيُّ كَمَا قُلْنَا ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَفَاوُتٌ حَقِيقِيٌّ يُعْتَدُّ بِهِ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَطْعَنًا فِيهِ ! أَلَيْسَ هَذَا
بُرْهَانًا نَاصِعًا عَلَى كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ أَوْحَاهُ إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟