كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ يَنْزِلُ مُنَجَّمًا بِحَسْبَ الْوَقَائِعِ وَالْأَحْوَالِ ، فَيَأْمُرُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ أَوِ الطَّائِفَةِ مِنَ الْآيَاتِ أَنْ تُوضَعَ فِي مَحَلِّهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا ، وَهُوَ لَا يَقْرَأُ فِي الصُّحُفِ مَا كُتِبَ أَوَّلًا وَلَا مَا كُتِبَ آخِرًا ، وَإِنَّمَا يَحْفَظُهُ حِفْظًا ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِالْكَلَامِ الْكَثِيرِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ وَالْوَقَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ يَتَذَكَّرُ عِنْدَ كُلِّ قَوْلٍ جَمِيعَ مَا سَبَقَ لَهُ فِي السِّنِينِ الْخَالِيَةِ وَيَسْتَحْضِرُهُ لِيَجْعَلَ الْآخَرَ مُوَافِقًا لِلْأَوَّلِ ، وَإِذَا تَذَكَّرْتَ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ كَانَ يَنْزِلُ فِي أَيَّامِ الْحَرْبِ وَشِدَّةِ الْكَرْبِ ، وَبَعْضَهَا كَانَ يَنْزِلُ عِنْدَ الْخِصَامِ ، وَتَنَازُعِ الْأَفْرَادِ أَوِ الْأَقْوَامِ ، جَزَمْتَ بِأَنَّ مِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ جَمِيعَ مَا كَانَ قَالَهُ مِنْ قَبْلُ لِيَأْتِيَ بِكَلَامٍ يَتَّفِقُ مَعَهُ وَلَا يَخْتَلِفُ ، وَكَانَ إِذَا تَلَا عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ يَحْفَظُونَهَا عَنْهُ فِي صُدُورِهِمْ وَيَكْتُبُونَهَا فِي صُحُفِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَجَالٌ لِلتَّنْقِيحِ وَالتَّحْرِيرِ
لَوْ فُرِضَ ، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ أَنْ تَمُرَّ السُّنُونَ وَالْأَحْقَابُ وَتَكِرَّ الْقُرُونُ وَالْأَجْيَالُ ، وَتَتَّسِعَ دَوَائِرُ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ ، وَتَتَغَيَّرَ أَحْوَالُ الْعُمْرَانِ ، وَلَا تُنْقَضُ كَلِمَةٌ مِنْ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ ، لَا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، وَلَا فِي أَحْوَالِ النَّاسِ وَشُئُونِ الْكَوْنِ ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُنُونِ الْقَوْلِ .