الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... (92) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} وَمَا أَذِنَ اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ وَلَا أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا. يَقُولُ: مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ فِيمَا جَعَلَ لَهُ رَبُّهُ وَأْذِنَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ ألْبَتَّةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِلَّا خَطَأً} فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ خَطَأً , وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا جَعَلَ لَهُ رَبُّهُ فَأَبَاحَهُ لَهُ. وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي تُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ , كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
[البحر الطويل]
مِنَ الْبِيضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا وَلَمْ تَطَأْ ... عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ
يَعْنِي: لَمْ تَطَأْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ تَطَأَ ذَيْلَ الْبُرْدِ , وَلَيْسَ ذَيْلَ الْبُرْدِ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ بِحُكْمِ مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ خَطَأً، فَقَالَ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يَقُولُ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنْ مَالِهِ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ يُؤَدِّيهَا عَاقِلَتُهُ إِلَى أَهْلِهِ {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا}
يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَصَدَّقَ أَهْلُ الْقَتِيلِ خَطَأً عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ دِيَّةَ قَتِيلِهِمْ فَيَعْفُوا عَنْهُ وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ ذَنْبِهِ، فَيَسْقُطَ عَنْهُ. وَمَوْضِعُ أَنْ مِنْ قَوْلِهِ {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} نَصْبُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَعَلَيْهِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَصَدَّقُوا، وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ , وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مُسْلِمًا بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهِ.