فقد أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال:"سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة} ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ} إلى قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 102] فنزلت صلاة الخوف"ولعل جواب الشرط على هذا محذوف أيضاً على طرز ما تقدم، ونقل الطبرسي عن بعضهم أن القصر في الآية بمعنى الجمع بين الصلاتين وليس بشيء أصلاً.
وقرأ أبيّ كما قال ابن المنذر: فأقصروا من الصلاة أن يفتنكم، والمشهور أنه كعبد الله أسقط {إِنْ خِفْتُمْ} فقط، وأياً مّا كان فإن في موضع المفعول له لما دل عليه الكلام بتقدير مضاف كأنه قيل: شرع لكم ذلك كراهة {أَن يَفْتِنَكُمُ} الخ فإن استمرار الاشتغال بالصلاة مظنة لاقتداء الكافرين على إيقاع الفتنة، وقوله تعالى: {إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} إما تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر، أو تعليل لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال العداوة من موجبات التعرض بالسوء، و {عَدُوّا} كما قال أبو البقاء: في موضع أعداء، وقيل: هو مصدر على فعول مثل الولوع والقبول، و {لَكُمْ} حال منه، أو متعلق ب (كان) . انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 5 صـ 131 - 134}
قال - رحمه الله:
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}
انتقال إلى تشريع آخر بمناسبة ذكر السفر