[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال القاضي عياض:
{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) }
قِيلَ: «فَضْلُهُ الْعَظِيمُ» بِالنُّبُوَّةِ.
وَقِيلَ: بِمَا سَبَقَ لَهُ فِي الْأَزَلِ.
وَأَشَارَ الْوَاسِطِيُّ إِلَى أَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى احْتِمَالِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْهَا موسى عليه السلام.
(فصل: فِي تَكْمِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وَقِرَانِهِ جَمِيعَ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ نَسَقًا)
اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، الْبَاحِثُ عَنْ تَفَاصِيلِ جُمَلِ قَدْرِهِ العظيم، أنّ خصال الجمال وَالْكَمَالِ فِي الْبَشَرِ نَوْعَانِ:
-ضَرُورِيٌّ دُنْيَوِيٌّ ... اقْتَضَتْهُ الجبلّة وضرورة الحياة الدنيا -
مكتسب دِينِيٌّ ... وَهُوَ مَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى الله زلفى
ثم هي على فنين أيضا:
أ - منها ما يتخلص لأحد الوصفين:
ب - وَمِنْهَا مَا يَتَمَازَجُ وَيَتَدَاخَلُ.
فَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الْمَحْضُ: فَمَا لَيْسَ لِلْمَرْءِ فِيهِ اخْتِيَارٌ، وَلَا اكْتِسَابٌ، مِثْلُ مَا كَانَ فِي جِبِلَّتِهِ مِنْ كَمَالِ خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله،
وَصِحَّةِ فَهْمِهِ، وَفَصَاحَةِ لِسَانِهِ، وَقُوَّةِ حَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ، وَاعْتِدَالِ حَرَكَاتِهِ، وَشَرَفِ نَسَبِهِ، وَعِزَّةِ قَوْمِهِ، وَكَرَمِ أَرْضِهِ.
وَيَلْحَقُ بِهِ: مَا تَدْعُوهُ ضَرُورَةُ حَيَاتِهِ إِلَيْهِ مِنْ غِذَائِهِ، وَنَوْمِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَمَنْكَحِهِ، وَمَالِهِ وَجَاهِهِ.
وَقَدْ تَلْحَقُ هَذِهِ الْخِصَالُ الْآخِرَةُ بِالْأُخْرَوِيَّةِ، إِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقْوَى، وَمَعُونَةِ الْبَدَنِ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِهَا، وَكَانَتْ عَلَى حُدُودِ الضَّرُورَةِ، وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.