قوله - جلَّ جلالُه: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... )
أرجع - جلَّ جلالُه - الكلام إلى ذكر أهل الكتاب
والمنافقين، وبآخره يعم المؤمنين، كان أهل الكتاب والمنافقين يرجفون بالمدينة
يتناجون بذلك، وينتقصون الرسول والمؤمنين، فأنزل الله جل ذكره في ذلك عدة آيات:
منها: قوله جلَّ قوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) .
وقال جلَّ قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)
فكان هذا من تناجيهم، فأعلم الله - جلَّ جلالُه - باستصحابهم ذلك، ثم من
فحوى الخطاب ومفهومه يعلم أن كثيرًا من مناجاة المؤمنين بعضهم بعضًا، لا خير
فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس؛ لذلك وهو أعلم أعقب
الخطاب بقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(114) .
دلَّ على صرف معناها إلى المؤمنين قوله - جلَّ جلالُه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ
فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
(فصل)
قال الله - جلَّ جلالُه: (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ ... ) وكل شيء فعلاً كان أو قولاً أو ما كان، فمحصل
كله [مذموم] ، فإن كان كلامه سيئة فكفى به شرَّا وإن كان لغوًا، فهو خسارة عمر
وإبطال عمل، لكن الأكياس توجهوا بقلوبهم وذواتهم ظاهرًا وباطنًا إلى ربهم - جلَّ جلالُه -،
وأحضروا إليه بنياتهم وطلبوا رضاه في كل قول يكون منهم، فربحوا على ذلك
الأرباح الوافرة في الدنيا والآخرة، وهم المعنيون بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ
رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ... )إلى قوله: (سَابِقُونَ) .