وقرأ الكوفيون {الدرك} بسكون الراء وهو لغة كالسطر والسطر، والفتح أكثر وأفصح لأنه ورد جمعه على أفعال، وأفعال في فعل المحرك كثير مقيس، ووروده في الساكن نادر كفرخ وأفراخ، وزند وأزناد وكونه استغنى بجمع أحدهما عن الآخر جائز لكنه خلاف الظاهر، فلا يندفع به الترجيح والكلام مخرّج مخرج الحقيقة، وزعم أبو القاسم البلخي أن لا طبقات في النار، وأن هذا إخبار عن بلوغ الغاية في العقاب كما يقال: إن السلطان بلغ فلاناً الحضيض وفلاناً العرش، يريدون بذل انحطاط المنزلة وعلوها لا المسافة، ولايخفى أنه خلاف ما جاءت به الآثار، و {مِنَ النار} في محل النصب على الحال؛ وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه {الدرك} والعامل الاستقرار، والثاني: أنه الضمير المستتر في {الاسفل} لأنه صفة، فيتحمل الضمير أي حال كون ذلك من النار.
{وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} يخرجهم منه أو يخفف عنهم ما هم فيه يوم القيامة حين يكونون في الدرك الأسفل وكون المراد ولن تجد لهم نصيراً في الدنيا لتكون الآية وصفاً لهم بأنهم خسروا الدنيا والآخرة ليس بشيء كما لا يخفى، والخطاب لكل من يصلح له. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 5 صـ 177 - 178}
فصل
قال الخازن فِي معنى الآية:
{إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} يعني في الطبق في قعر جهنم والنار سبع دركات بعضها فوق بعض سميت طبقات جهنم دركات لأنها متداركة متتابعة.
وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم وقيل هي توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار.
فإن قلت لم كان المنافق أشد عذاباً من الكافر؟ قلت إن المنافق مثل الكافر في الكفر وزيادة وهو أنه ضم إلى كفره نوعاً آخر من الكفر أخبث منه وهو الاستهزاء بالإسلام والمسلمين وإفشاء أسرار المسلمين ونقلها إلى الكفار.
فلهذا السبب جعل الله عذاب المنافقين أشد عذاباً من الكفار والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر وقيل هو الذي يصف الإسلام بلسانه ولا يعمل بشرائعه ولا يتقيد بقيوده ولا يدخل تحت أحكامه وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقاً فللتغليظ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام صلّى وزعم أنه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان"فإن هذه الخصال صفات المنافقين فمن فعلها فقد تشبه بالمنافقين.
وقوله تعالى: {ولن تجد لهم نصيراً} يعني ولن تجد يا محمد لهؤلاء المنافقين ناصراً ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم. انتهى انتهى. {تفسير الخازن حـ 1 صـ 614}