قلت: وقد روي"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار:"من سيِّدكم"؟ قالوا: الجَدّ بن قيس على بُخْل فيه."
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"وأيّ داء أدْوَى من البخل"قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال:"إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء""وقد تقدّم، ذكره الماوردِي. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 406 - 407} ."
وقوله تعالى {وأحضرت الأنفس الشح} معذرة عن عبيده تعالى أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره، وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها، وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله: وهذا حسن، و {الشح} : الضبط على المعتقدات والإرادات الهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منها ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال تعالى فيه {ومن يوق شح نفسه} [الحشر: 9] وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل، وهي رذيلة لكنها قد تكون في المؤمن، ومنه الحديث"قيل يا رسول الله أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال نعم"وأما {الشح} ففي كل أحد، وينبغي أن يكون، لكن لا يفرط إلا على الدين، ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى: {وأحضرت الأنفس الشح} وقوله {شح نفسه} فقد أثبت أن لكل نفس شحاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"أن تصدق وأنت صحيح شحيح"وهذا لم يرد به واحداً بعينه، وليس يجمل أن يقال هنا: أن تصدق وأنت صحيح بخيل. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ 120}