[من روائع الأبحاث]
(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(الرياء)
قال البرقوقي:
الرياء: ترك الإخلاصِ في العملِ بملاحظةِ غيرِ اللهِ فيه؛ ومن عبقريّاتهم فيه: قال سيدنا رسول الله: (إنّ أخوفَ ما أخافُ على أمّتي الرياءُ الظاهرُ والشهوةُ الخفيّة) .
وقالوا: أعظمُ الرياءِ حبُّ المَحْمَدة. وقالوا إذا عمل الرجلُ العملَ وكتمَه وأحبَّ إعلامَ الناسِ أنّه كتمَه، فذلك أقبحُ الرّياء، وقال أبو نواس:
وإذا نَزَعْتَ عَنِ الغَوايةِ فليَكُنْ ... للهِ ذاكَ النَّزْعُ لا للنّاسِ
وقال لقمانُ لابنه: اتقِ اللهَ ولا تُرِ الناسَ أنّك تخشاه ليُكْرِموك ...
وقال بعضهم: كان الناس يراؤون بما يفعلون فصاروا يراؤون بما لا يفعلون.
وقالوا: ما الدُّخان بأدلَّ على النارِ من ظاهرِ أمرِ الرجلِ على باطنِه ...
وقالوا في وصف المُرائي: له سَمْتُ أبي ذرٍّ على قلب
أبي جهل، وقال صلى الله عليه وسلم فيمن تنسّك طمعاً في عرَضِ الدنيا: (أكثرُ منافقي هذه الأمّة قُرّاؤها)
قال ابن الأثير: أي أنّهم يحفظون القرآنَ نفياً للتُّهمة عن أنفسِهم وهم معتقدون تضييعَه، وكان المنافقون في عصر النبي بهذه الصّفة.
وقال الزّمخشريُّ: أراد بالنفاقِ الرياءَ، لأنَّ كلاً منهما إرادةُ ما في الظاهر خلافَ ما في الباطنِ.
وقال الغزاليُّ: احذر من خِصال القرّاءِ الأربعة: الأمل والعجلة والكِبر والحسد، قال: وهي عِلَلٌ تعتري سائرَ الناس عموماً والقرّاءَ خصوصاً، ترى القارئ يطوِّلُ الأملَ فيوقعُه في الكسل، وتراه يستعجل الخيرَ فيُقْطعُ عنه، وتراه يحسد نظراءَه على ما آتاهم اللهُ من فضلِه فربَّما يبلغ به مبلغاً يحملُه على فضائحَ وقبائحَ لا يقدم عليها فاسقٌ ولا فاجر.
وقال الفضيل بن عياض لابنه: اشتروا داراً بعيدةً عن القُرّاء، ما لي والقوم! إن ظهرت منّي زلّةٌ قتلوني، وإن ظهرت عليَّ حسنةٌ حَسدوني، ولذلك ترى الواحدَ منهم يتكبّر على الناس ويستخفُّ بهم مُعْبِساً وجهَه كأنّما يمنُّ على الناسِ بما يصلي زيادةَ ركعتين، أو كأنما جاءَه من اللهِ منشورٌ بالجنة والبراءةِ من النار، أو كأنّه استيقن السعادةَ لنفسِه والشقاوةَ لسائر الناس، ثم هو مع ذلك يلبَسُ لباسَ المُتواضعين ويتماوت، وهذا لا يليقُ بالتكبُّر والترفُّع ولا يلائِمُه لكنَّ الأعمى لا يبصر ...