{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله. وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - وكان الله بما يعملون محيطاً. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة؟ أم من يكون عليهم وكيلاً؟} .
إننا نحس في التعبير صرامة ، يفوح منها الغضب للحق ، والغيرة على العدل ؛ وتشيع في جو الآيات وتفيض منها:
وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله.
وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيماً للخائنين ، يدافع عنهم ويجادل. وتوجيهه لاستغفار الله - سبحانه - عن هذه المجادلة.
{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله. ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً} ..
ثم تكرار هذا النهي ؛ ووصف هؤلاء الخائنين ، الذين جادل عنهم - صلى الله عليه وسلم - بأنهم يختانون أنفسهم. وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً:
{ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم. إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} .
وهم خانوا غيرهم في الظاهر. ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم. فقد خانوا الجماعة ومنهجها ، ومبادئها التي تميزها وتفردها. وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها ، وهم منها.. ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى. صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء. حيث يكرههم الله ، ويعاقبهم بما أثموا. وهي خيانة للنفس من غير شك.. وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم ، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة.
{إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} ..