أقول: كل ما قالوه في القُرّاء ممّا يصح أن يقال في علماء الدين وفي المتنسِّكين، لأنه يقال تقرّأ فلانٌ أي تفقّه، ويقال: تقرّأ: أي تنسّك، قال زيد بن تركي الزُّبيديُّ: وقال الفراء: أنشدني أبو صَدْفة الدبَيْري:
ولقد عَجِبْتُ لكاعِبٍ مَودُونةٍ ... أطرافُها بالحَلْيِ والحِنَّاءِ
بيضاَء تصْطادُ القَويَّ وتَسْتَبي ... بالحُسْنِ قلْبَ المُسْلِمِ القُرَّاءِ
مودونة: مليّنة وأطرافها نائب فاعل مودونة.
ورووا أن بلال بن أبي بردة وفد على عمر بن عبد العزيز فجعل يديم الصلاةَ فقال عمر: ذلك التصنُّع، فقال له العلاءُ: أنا آتيك بخبرِه، فجاءه وهو يصلّي فقال له: ما لي عندك إنْ بعثْتُ أميرَ المؤمنين على توليتِك العراقَ؟ قال عُمالتي سنةً أي وظيفتي ومُرتّبي - وكان مبلغُه عشرين ألف درهم، فقال: اكتب به خطَّك، فكتب إليه، فجاء العلاءُ إلى عمر فأخبرَه، فقال: أراد أن يغرَّنا بالله...
ودخل على أبي جعفر المنصور رجلٌ بين عينيه كرُكْبةِ البعير - وذلك يكون من أثرِ السُّجود - يريد القضاءَ، فقال المنصور: إن كنت أبْرَرْتَ اللهَ بهذا فما ينبغي أن نشغلَك عنه، وإن كنت أردْتَ خِداعَنا فما ينبغي أن ننْخَدِعَ لك.
وقال شاعر:
لا تَصْحَبَنَّ صحابةً ... حلَقوا الشوارِبَ لِلطَّمَعْ
يَبكي وجُلُّ بُكائِه ... ما لِلْفَريسةِ لا تَقَعْ
وقال آخر:
عَمَّرُوا مَوْضِعَ التَّصَنُّعِ منهُمْ ... ومكانُ الصلاحِ منهُمْ خَرابُ
ويروى هذا البيت على وجه آخر... .
ورووا أن بعض الناس كان يبيع زكاتَه من الفقيرِ ويسترجعُها منه بدرهم أو درهمين.
ويروى أغربُ من ذلك وأقعدُ في باب الحيل الشرعية المحرّمة، وذلك أنّ أحدَ مشيختنا الذين تولّوا مشيخةَ الإسلام والإفتاء في الجيل الغابر بمصر - وكان غنيّاً مثرياً - كان يحتال في زكاة المال بأنْ يضعَ قيمةَ ما يجبُ عليه أن يزكيه عن ماله في العِياب (الزكائب المملوءة قمحاً) ثم يُفهمُ الفقراءَ أنَّ هذه هي زكاتُهم ثمَّ يشتريها منهم بثمن مُغْرٍ، وبذلك يظن أنّه قد قام بفريضة الزكاة {يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} .