أحدها: أن اليهود، وغيرهم من الكفرة، والذين آذوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه، وطاعتهم له - ظنوا أنهم وإن أسلموا وأطاعوا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يقبل ذلك منهم توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر - عز وجل -: أنه إذا أطاع اللَّه والرسول فيكون: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) كأن لم يترك طاعته أبدًا - واللَّه أعلم - كما قال - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) .
ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن يكون لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.
ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع اللَّه - تعالى - والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيكون (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) ، في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها أشبه - واللَّه أعلم - إذ هم بالطاعة أجابوا، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في (وَالصِّدِّيقِينَ) ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: أتباع الأنبياء - عليهم السلام - وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة.
وقيل: الصِّدِّيق: هو الذي يصدق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أول دعوة دعاه إلى دين اللَّه - تعالى - وفي أول ما عاينه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالشُّهَدَاءِ) قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل اللَّه.
وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه.
وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد.