وقيل: قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ) ليس هو على الصلة، ولكن يقال ذلك على نفي ما تقدم من الكلام وإنكاره؛ كقول الرجل: لا واللَّه، هو ابتداء الكلام، ولكن على نفي ما تقدم من الكلام، فعلى ذلك هذا.
وفيه دلالة تفضيل رسولنا، مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على غيره من البشر؛ لأن الإضافة إذا خرجت إلى واحد تخرج مخرج التعظيم لذلك الواحد، والتخصيص له، وإذا كانت إلى جماعة تعظيمًا له؛ كقوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) ، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، ونحوه.
وقوله - تعالى -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) كان
رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حاكمًا وإن لم يحكموه، ليس معناه - واللَّه أعلم -: (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي: حتى يرضوا بحكمك وقضائك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)
أي: اختلفوا بينهم وتنازعوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ)
قيل ضيقًا.
وقيل: شكا مما قضيت بينهم أنه حق.
وقيل: إثمًا.
ثم في الآية دلالة أن الإيمأن يكون بالقلب؛ لأنه قال - تعالى -: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) أي: في قلوبهم؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - تعالى - في آية أخرى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) ، ذكر ضيق الصدر، وذكر ضيق الأنفس، وهو واحد؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ، في آية أخرى: (وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) ، فهذه الآيات ترد على الكرامية قولهم؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) وهم يقولون: بل يؤمنون، فيقال لهم: أنتم أعلم أم اللَّه؟!.