يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ {خُذُوا حِذْرَكُمْ} خُذُوا جُنَّتَكُمْ وَأَسْلِحَتَكُمُ الَّتِي تَتَّقُونَ بِهَا مِنْ عَدُوِّكُمْ لِغَزْوِهِمْ وَحَرْبِهِمْ {فَانْفِرُوا} إِلَيْهِمْ {ثُبَاتٍ} : وَهِيَ جَمْعُ ثُبَةٍ , وَالثُّبَةُ: الْعُصْبَةُ؛ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَانْفِرُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ مُتَسَلِّحِينَ , وَمِنَ الثُّبَةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
[البحر الوافر]
وَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ ... نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاءُ
وَقَدْ تُجْمَعُ الثُّبَةُ عَلَى ثُبِينَ.
{أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا}
يَقُولُ:"أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقِتَالِهِمْ."
عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ} قَالَ: «فِرَقًا قَلِيلًا قَلِيلًا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) }
وَهَذَا نَعْتٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُنَافِقِينَ , نَعَتَهُمْ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ , فَقَالَ: {وَإِنَّ مِنْكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ , يَعْنِي: مِنْ عِدَادِكُمْ وَقَوْمِكُمْ وَمَنْ يَتَشَبَّهُ بِكُمْ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ , وَهُوَ مُنَافِقٌ يُبَطِّئُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْكُمْ عَنْ جِهَادِ عَدُوِّكُمْ وَقِتَالِهِمْ إِذَا أَنْتُمْ نَفَرْتُمْ إِلَيْهِمْ.
{فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ}
يَقُولُ:"فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ هَزِيمَةٌ , أَوْ نَالَكُمْ قَتْلٌ أَوْ جِرَاحٌ مِنْ عَدُوِّكُمْ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا , فَيُصِيبُنِي جِرَاحٌ أَوْ أَلَمٌ أَوْ قَتْلٌ , وَسَرَّهُ تَخَلُّفُهُ عَنْكُمْ شَمَاتَةً بِكُمْ , لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ فِي وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا نَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَفِي وَعِيدِهِ , فَهُوَ غَيْرُ رَاجٍ ثَوَابًا وَلَا خَائِفٍ عِقَابًا."
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} قَالَ: «هَزِيمَةٌ»