فأما الحكم بالعدل بين"الناس"فالنص يطلقه هكذا عدلاً شاملاً"بين الناس"جميعاً. لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلاً مع أهل الكتاب ، دون سائر الناس.. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه"إنساناً". فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني. وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعاً: مؤمنين وكفاراً. أصدقاء وأعداء. سوداً وبيضاً. عرباً وعجماً. والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام ، وإلا في حكم المسلمين ، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية.. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ؛ فلم تذق له طعماً قط ، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعاً. لأنهم"ناس"! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه"الناس"!
وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ؛ كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ؛ والحكم بين الناس بالعدل ؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه. ونعم ما يعظ الله به ويوجه:
{إن الله نعما يعظكم به} ..
ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه. فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به.
.ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة ، فيجعله"اسم إن"ويجعل نعم ما"نعما"ومتعلقاتها ، في مكان"خبر إن"بعد حذف الخبر.. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به..
ثم إنها لم تكن"عظة"إنما كانت"أمراً".. ولكن التعبير يسميه عظة. لأن العظة أبلغ إلى القلب ، وأسرع إلى الوجدان ، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء!
ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية ؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: