إعظام ، يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك ، وهذا التأكيد إنما يؤتى به رفعاً لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم ، وللإقسام بها ، فيزاح هذا الوهم بالتأكيد ، في إبراز فعل القسم مؤكداً بالنفي المذكور ، وقد قرر الزمخشريّ هذا المعنى في دخول (لا) عند قوله: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} على وجه مجمل ، هذا بسطه وإيضاحه ، فإذا بين ذلك ، فهذا الوهم الذي يراد إزاحته في القسم بغير الله ، مندفع في الإقسام بالله ، فلا يحتاج إلى دخول (لا) مؤكدة للقسم ، فيتعين حملها على الموطئة ، ولا تكاد تجدها ، في غير الكتاب العزيز ، داخلة على قسم مثبت ، وأما دخولها في القسم ، وجوابه نفي ، فكثير مثل:
فَلاَ وأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيّ لاَ يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنَّي أَفرّ
وكقوله:
أَلاَ نَادَتْ أُمَامةُ باحتمالٍ لِتَحْزنَنِي ، قَلاَ بِكِ مَا أُبَالِي
وقوله:
رأَىَ بَرْقاً فَأَوضع فوق بَكْرٍ فَلاَ بِكِ مَا أَساَل وَلا أغاما
وقوله:
فَخَالِفْ فَلاَ واللهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً من الأرض إلاَّ أنت للذلِّ عَارفٌ
وهو أكثر من أن يحصى ، فتأمل هذا الفصل فإنه حقيق بالتأمل . انتهى .
الخامس: أعلم أن كل حديث صح عن رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ، بأن رواه جامعو الصحاح ، أو صححه من يرجع إليه في التصحيح من أئمة الحديث ، فهو مما تشمله هذه الآية ، أعني قوله تعالى: {مّمّا قَضَيْتَ} فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهراً وباطناً ، وإلا بأن التمس مخارج لرده أو تأويله ، بخلاف ظاهره ، لتمذهب تقلَّده وعصبية رُبِيَ عليها ، كما هو شأن المقلدة أعداء الحديث وأهله - فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية ، الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة .