وأما"فبشرناها بإسحاق"، فيعقوب ليس مجروراً عَطْفاً على إسْحَاق، بل منصوباً بإضْمَارِ فعل أي: ووهبنا لها يعقوبَ، وَيَدُلُّ عليه قراءةُ الرَّفِع، فإنَّهَا مؤذنة بانْقطَاعِهِ من البِشَارَة [به] ، كيف وقد تَقدَّم أنَّ هذا القائل يَقُولُ: إنَّهُ متى كان المَعْطُوفُ عليه مجروراً، أُعيدَ مع المَعْطُوفِ الجار. [و] أما"أن يؤدوا الأمانات"، فلا دلالة فيها أيضاً؛ لأن"إذَا"ظرف لا بُدَّ من عامل، وعامله إما {أَن تَحْكُمُواْ} وهو الظَّاهِرُ من حيث المعنى، وإما {يَأْمُرُكُمْ} فالأوَّلُ ممتنع، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ ما في حيز الموصول لا يتقدَّمُ عليه عند البصريين، وأمّا الكُوفِيُّون فيجوِّزونَ ذلك، ومنه الآية عِنْدَهُم، واستَدَلُّوا بقوله: [الرجز] كَانَ جَزَائِي بالْعَصَا أنْ أجْلَدَا
وقد جاء ذلِكَ في المفعول الصَّريح في قوله: [الكامل] وَشِفَاءُ غَيِّكِ خَابِراً أنْ تَسْألِي
فكيف بالظرف وشبهه.
والثاني ممتنعٌ أيضاً؛ لأنَّ الأمْرَ ليس واقعاً وَقْتَ الحكم، كذا قاله أبُو حَيَّان وفيه نَظَرٌ وإذا بَطَلَ هذا فالعامِلُ فيه مُقَدَّرٌ يُفَسَِرُهُ ما بَعْدَهُ تَقْدِيره:"وأن تحكموا إذا حكمتم"، و"أن تحكموا"الأخيرة دالة على الأولى.
قوله"بالعدل"يجوزُ فيه وجهان:
أحَدُهُمَا: أنْ يتعلَّقَ بـ"تحكموا"، فتكونُ البَاء للتَّعدية، والثانية: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من فاعل تحكموا، فتكونُ الباء للمصاحبة، أي: ملتبسين بالعَدْلِ مصاحبين له.
والمعنيان مُتَقَارِبَان.