وقد يحتمل هذا تفصيلاً هو أن الإمام إذا كان ولى أعماله القريبة منه رجلاً ونفى عليه عمل بعيد، فلم يجد إلا واحداً يصلح له وأراده عليه فامتنع منه.
فإن كان الرجل يصلح لبعض الأعمال الدانية، والذي يتولى ذلك العمل يصلح للعمل البعيد، وكان أن أمره أجاب، فلا كراهية، والكاره له إن ولي العمل القريب كان ذلك أخف على قلبه فينبغي للإمام أن يترقى بالإدنى فيعد إلى البعيد غيره، ويولي هذا مكانه لئلا يكون قد أجلاه بلا ذنب أحدثه.
وإن كان يكره القريب كما يكره البعيد، ولا يكره البعيد لأجل النأي والغربة، نظر الإمام في أمره بما يريه الله عز وجل.
(فصل)
وإذا كان عند الرجل أنه يصلح للقضاء، فأراد أن يطلبه أو دعاه الإمام إليه، فأراد أن يجيبه، فلا ينبغي له أن يستحي بما في نفسه من طلب أو إجابة حتى يسأل أهل العلم والفضل والأمانة، فمن خبره وينظر حاله وأمر على نفسه، ويقول إني أريد القضاء فما ترون في أمري؟ وهل تعرفوني صالحاً أو لا؟ فإن هذا من المشورة التي وصى الله تعالى بها نبيه - صلى الله عليه وسلّم - فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} .
ومدح الذين يتشاورن، فقال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .
وإن لم يسأل الجماعة سأل عنه واحداً يثق به، فإن عرفه بعض ما فيه، ما كان غافلاً عنه، فقدر أن زكي، مضى لما هم به، وهذا أيضاً بين الوجه والمعنى، لأن المرتجية نفسه، قد لا ينظر من أحواله وأوصافه إلى ما يحسن ويحمل، فإن منزلته من ولده إذا كانت بهذه المنزلة، فلذلك قيل: زين في عين والد ولده، فلأن تكون منزلة نفسه منه، هكذا أقرب.
وإذا كان معقولاً وجب على كل أحد زكته نفسه له أن يتشكك فيها ويسبب ذلك من غيره، فيعلم أن نفسه صدقته أو ليست عليه.
وإذا سأل ما يسأل بعيداً لا يعلم منه إلا ظاهره، وإنما يسأل عنه الغريب الذي يخبره، ويتحقق من أمره، فإن الله - عز وجل - يقول: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} وإذا سأل عن نفسه غيره، فينبغي المسئول أن ينصح له ويصدقه.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «ألا إن الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله! قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولأن المستشار مؤتمن» .
ولا ينبغي للمؤمن أن يخان، قال الله عز وجل: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} .